الخطيب الشربيني
331
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عبدا . وقال عليه الصلاة والسلام : « تعس عبد الدينار ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميصة ، تعس عبد القطيفة » « 1 » ولا دناءة أعظم من دناءة الدينار والدرهم ، ولا أخس من همة ترتفع بثوب جديد ويدخل في قوله تعالى : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ الذكر والأنثى ، فكما أن الرجل تكون زوجته عدوا له كذلك المرأة يكون زوجها عدوا لها بهذا المعنى فَاحْذَرُوهُمْ أي : أن تطيعوهم في التخلف عن الخير ، ولا تأمنوا غوائلهم وَإِنْ تَعْفُوا أي : توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك ، فإن من طبع على شيء لا يرجع عنه وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه تعالى لئلا يكون سببا للذم المنهي عنه وَتَصْفَحُوا أي : بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان وَتَغْفِرُوا أي : بأن تستروا ذنوبهم سترا تاما شاملا للعين والأثر بالتجاوز فَإِنَّ اللَّهَ أي : الجامع لصفات الكمال غَفُورٌ أي : بالغ المحو لأعيان الذنوب وآثارها جزاء لكم على غفرانكم لهم ، وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم رَحِيمٌ فيكرمكم بعد ذلك الستر بالإنعام فتخلقوا بأخلاقه تعالى يزدكم من فضله . إِنَّما أَمْوالُكُمْ أي : عامة وَأَوْلادُكُمْ كذلك فِتْنَةٌ أي : اختبار من الله تعالى لكم ، وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكي ليظهر في عالم الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون عليه نعمة ، فربما رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه ، ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ولده . روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال : يؤتى برجل يوم القيامة فيقال : أكل عياله حسناته . وعن بعض السلف : العيال سوس الطاعات ويكفي في فتنة المال قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ [ التوبة : 75 ] وعن ابن مسعود : لا يقولن أحدكم اللهم اعصمني من الفتنة ، فإنه ليس أحد منكم يرجع إلى مال ولا ولد إلا وهو مشتمل على فتنة ، ولكن ليقل اللهم أعوذ بك من مضلات الفتن . وقال الحسن في قوله تعالى : إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ أدخل من للتبعيض لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ، ولم يذكر في قوله تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ لأنهما لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما . روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : « رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يخطب فجاء الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل صلى اللّه عليه وسلم فحملهما ووضعهما بين يديه ، ثم قال : صدق الله عز وجل إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » ثم أخذ في خطبته « 2 » . تنبيه : قدم الأموال على الأولاد لأن فتنة المال أكثر ، وترك ذكر الأزواج في الفتنة قال البقاعي : لأن منهن من يكون صلاحا وعونا على الآخرة وَاللَّهُ أي : ذو الجلال عِنْدَهُ وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمته أَجْرٌ ثم وصفه بقوله تعالى : عَظِيمٌ أي : لمن ائتمر بأوامره التي أمره بها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد حديث 2887 ، والترمذي في الزهد حديث 2375 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4135 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة باب 227 ، والترمذي في المناقب باب 30 ، والنسائي في الجمعة باب 30 ، والعيدين باب 27 ، وابن ماجة في اللباس باب 20 ، وأحمد في المسند 5 / 354 .